2010/11/09

أبو مراد

كلنا دون استثناء ندين بالفضل ل ”أبو مراد“ ..

وأبو مراد هو سائق الباص الذي ينقلنا كل يوم من قريتنا إلى المدينة المجاورة ..

وأبو مراد يحفظ وجوهنا جميعا .. ويحفظ ليس فقط أسماءنا .. بل كل قصصنا التي نجود بها على بعضنا لنكسر ملل الطريق .. وبحفظ بعض أسرارنا التي يأتمنه كل منا عليها فيحفظها ويحافظ عليها في قرار صدره المكين ..

أبو مراد يعرف مثلا متى تكون ”سحر“ (مبسوطة) من ”ماجد“ زميلها في العمل .. فيفتح لها – بدون أن تطلب منه – الراديو على فيروز .. ومتى تكون سحر (شايفة الديك أرنب) فيرمقها بنظرة تفهم وتفاهم تعيد لها بعض ابتسامة ..

وأبو مراد يعرف مثلا أن ”الشيخ إحمد الحامد“ لا يفوت فرصة لتحويل أي حديث – بعد نشرة الأخبار التي يصر على أن نسمعها بمعيته من راديو البي بي سي – إلى خطبة دينية يسقعنا ويرقعنا فيها بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم نعمل جميعنا لإعادة دولة الخلافة التي أسقطها ”الإنكليز واليهود“ ..

أبو مراد سياسي ناجح .. يعرف كيف يسوسنا ويسايسنا ويستوعب جميع تناقضاتنا واختلافاتنا بنكتة من نكاته التي تجعل أغلبنا يقهقه وتجعل حتى الشيخ إحمد الحامد يبتسم ..

وذات يوم لم يأت أبو مراد لينقلنا كعادته إلى المدينة ..وقد جاء بدلا منه مراد ..

”الوالد تعبان شوية يا جماعة .. وإلى أن يقوم بالسلامة سأحل أنا محله ..و ..و ..و ..“

لم نستمع لكل ما قاله بعد ذلك ..

وفي مساء ذلك اليوم كنا جميعا في بيت ”أبو مراد“ لنطمئن عليه ..

حتى سحر كلفتني أن أنقل له سلامها وأطمئنها عليه في اليوم التالي ..

لم يستطع أبو مراد أن يرد على أسئلتنا لفرط تأثره .. لقد اكتفى بمحاولة الشد على أيدينا ونحن نسلم عليه وعيناه مغرورقتان بالدموع ..

ولأول مرة نرى الشيخ إحمد الحامد يفوت جلسة بلا كلام عن الخلافة الغائبة ..

2010/11/08

بداية ونهاية

رمتني وقاربي الأمواجُ على شاطئِ البحرِ .. كنتُ مجهَداً فرُحْتُ في إغفاءةٍ كإغماءةٍ .. وعندما أفقْتُ رأيتُ فوقَ رأسي شيخاً كلُّهُ جلالٌ ومهابةٌ ..

سألني مَنْ أنتَ فقلتُ عبدُ اللهِ .. سألني مَنْ أبوكَ فقلتُ عبدُ اللهِ .. سألني فمِمَّنْ أنتَ فقلتُ كلُّكمْ لآدمَ وآدمُ مِنْ ترابٍ ..

هزّ رأسَهُ وسكتَ برهةً

ثمَّ عادَ يسألُني ما علمُكَ فقلْتُ نفسي والقاربُ الذي يحْملُني والبحرُ الذي يحْملُهُ .. قالَ فكمْ تعْلمُ مِنْ ذلكَ كلِّهِ فقلتُ كما ترْجِعُ الإبرةِ مِنْ ماءِ البحرِ إذا أدْخلْتَها فيهِ .. فقالَ فإلى أينَ تذْهبُ قلتُ إلى لا مكانٍ وإنّما أنا أهْربُ مِنْ نهايةٍ أنا بالغُها لا محالةَ ..

مدَّ يديهِ فظننْتُهُ سيمْسحُ عنْ جبيني ما عَلِقَ بهِ مِنْ تعبٍ فأغْمضْتُ عينَيَّ .. وإذْ بي أسْمعُ صوتَهُ متلاشياً كصدى: لقدْ .. بلغْتَها .. يا .. بُنَيّ

2010/11/07

نشوء وارتقاء

كان جدي شيخ القرية وإمام المسجد الوحيد فيها ..

وكان طويل القامة ..

وكان أبي معلم العلوم في المدرسة الوحيدة للقرية ..

وكان متوسط القامة ..

أما أنا فقد أصبحت صاحب المقهى الوحيد في القرية .. وأبيع سرا – للبعض – المشروبات الروحية .. والحبوب المقوية للجنس – للجميع تقريبا – ..

وأنا .. قصير القامة طبعا